الأسئلة و الأجوبة استخرجت من عدد من كتب الإمام الراحل (قدس سره )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

س1- ما هو تصوركم لكل من المفاهيم التالية: العنف – اللاعنف – الإرهاب؟.

ج- إذا كان الشعار هو العنف فإنه يفقد الشرعية عند الناس.

شعار الإسلام هو السلام، ولذا إذا التقى المسلم بآخر قال له: السلام عليكم، ويجيب: عليكم السلام، وكما يبتدئ بالسلام على أخيه، كذلك حين يختم زيارته، ويسمى بسلام الوداع، فإذا أراد الزائر أن ينصرف يقول: السلام عليكم، أو عليكم السلام، فالإسلام دين السلام، ولذا يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: (ادخلوا في السلم كافة) سورة البقرة: الآية 208.

إن السلام أحمد عاقبة وأسرع للوصول إلى الهدف.. السلم والسلام والمسالمة أصول توجب تقدم المسالم، بينما غير المسالم والعنيف دائماً يظل متأخراً.

 الحرب والتهمة والسب والهمز واللمز والعداء والبغضاء والأنانية والكبرياء والغرور، وما أشبه تسبب سقوط الدول وسقوط الأفراد، وبالعكس، فالإنسان عبد الإحسان.

وقد ورد في مدح المؤمنين (الموطؤون أكنافاً) أي إنهم ليسوا من الصعوبة حتى يخاف الناس من أن يحوموا حولهم ويكونوا في أطرافهم، فإن الإنسان العنيف الصعب يتحاشاه الناس.

س2- هل (العنف) يوحي بمعنى سلبي أم ايجابي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى (اللاعنف)؟.

ج- كل إنسان يفكر أنه كما أن هذه الحركة أو تلك عنيفة ضد أعدائها فلابد وأن تكون عنيفة ضده أيضاً يوماً ما.

هذه حقيقة: العنيف عنيف مع الأصدقاء ومع الغرباء ومع البعداء والأعداء، واللين لين مع الأصدقاء ومع البعداء، هذا هو الأصل.

وإذا ظن الناس بالحركة سوءاً أو عنفاً وما أشبه، تفرقوا من حولها، ولم تتمكن الحركة من الوصول إلى هدفها.

س3- ما هي طبيعة العلاقة بين كل من العنف والشرع، وهل يؤيد الشرع العنف؟.

ج- استقطب رسول الله (ص) المشركين في مكة فأخذوا يسلمون ويظهرون الشهادتين، بدون عنف، وبدون محاربة، وبدون سفك دماء، وإنما حباً في الإسلام، لأنهم رأوا في الإسلام الملجأ والملاذ والرئاسة والصداقة والمال والأخوة والتقليل من المشاكل، وهكذا يجب أن نتعلم من رسول الله (ص) العمل والسلام. فالإسلام هو السلم، والسلم هو نبذ العنف بكل أشكاله.

س4- البعض يتهم الإسلام بأنه يحرض على العنف؟!.

ج- كلا.. الدين الإسلامي يدعو إلى الرحمة واللاعنف كما في القرآن الحكيم (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت: 35.

ولذا نشاهد لدى أنبياء الله تعالى والأئمة الطاهرين والمصلحين العظام هذه الظاهرة: ظاهرة حسن الخلق، العفو، السلام، سعة الصدر، الحلم، التواضع، الصبر، عدم رد الاعتداء بالمثل، وإنما رد الاعتداء بالتي هي أحسن.

س5- هل يعتبر السلم قاعدةً وأصلاً أم انه استثاء للضرورات؟.

ج- كما أنه تجب مراعاة التوعية والتنظيم والأصول العامة في العمل السياسي والاجتماعي فكذلك يجب أن يراعى السلام، السلم، المسالمة، اللين، العطف، واللطف. وإن حديث رسول الله (ص) وقصصه وتاريخه وحروبه وغزواته وسراياه كلها تبين لين النبي (ص) وسلمه والنتائج الطيبة التي نالها من وراء ذلك.

وليست الحرب والمقاطعة وأساليب العنف إلا وسائل اضطرارية شاذة، على خلاف الأصول الأولية الإسلامية، وحالها حال الاضطرار لأكل الميتة وما أشبه، وإنما الأصل هو السلام.

س6- هناك حركات إسلامية تتخذ العنف سبيلاً.. هل هذا هو نهج الدعوة الإسلامية؟.

ج- ذكر المؤرخون أن مكة لم تحارب بعد ذلك (الفتح)، وإنما رضخت لحكم عتاب (الوالي) بدون جيش، بدون شرطة، بدون سلاح، بدون قوة.. فالضروري على الحركة الإسلامية التي تجاهد لإقامة دولة إسلامية عالمية، بإذن الله تعالى، أن تتخذ من السلم شعاراً وبرنامجاً وأسلوباً لجذب أوسع الجماهير.. وبذلك سيتحقق النصر إن شاء الله تعالى.

وفي التاريخ القريب نشاهد أن ستالين وهتلر وموسوليني ومن أشبه هؤلاء، جنحوا إلى العنف، وكذلك ياسين الهاشمي في العراق، والحكم البهلوي في إيران، وأتاتورك في تركيا، وأضرابهم كثيرون، إن هؤلاء صاروا لعنة التاريخ، لقد ذهبوا وذهبت مبادئهم ولم يحفظهم التاريخ إلا للعبرة كما حفظ فرعون وشداد ونمرود للعبرة. وكما حفظ معاوية ويزيد والحجاج وابن زياد وهارون للعبرة، ولكي يتبصر من يأتي من بعدهم ولا يجنح إلى الدكتاتورية والعنف، بل يجنح إلى العقل والحزم والسلام.

س7- كيف يمكن إيجاد تيار إسلامي صحيح؟.

ج- إذا اعتمدنا السلم قاعدة عملية دائمة فسنتمكن بإذن الله تعالى من إيجاد تيار عام لحركة إسلامية صحيحة تكون مقدمة لإنقاذ البلاد الإسلامية من المستعمرين والديكتاتوريين، وإقامة حكم الله تعالى لألفي مليون مسلم، وما ذلك على الله بعزيز. فالواجب علينا أن نلقن أنفسنا السلام الدائم والعطف حتى نحو الأعداء، لكي نجذبهم إلى الصراط المستقيم.

وقد روي عن رسول الله (ص) أنه كان إذا اشتد به أذى قومه قال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)، ولم يكن يدعو الله عليهم. وإنما كان يدعو لهدايتهم، وبالنتيجة نجح رسول الله(ص) ذلك النجاح المنقطع النظير في كل العالم. نسأل الله أن يوفقنا لذلك إنه خير موفق ومعين.

س8- البعض يحاول أن يصنف نهج اللاعنف بأنه مسار يؤدي إلى الاستسلام، فهل الأمر كذلك؟.

ج- الفرق واسع بين السلم والاستسلام، فإن السلم منهج مبني على العقلانية، ودراسة الأهداف والوسائل، واختيار الأسلوب الأفضل لتحقيق الأهداف بشجاعة، فهو مبني على قوة المنطق والحكمة وشجاعة الموقف، بينما الاستسلام مبني على الضعف والفرعية والتراجع عن الأهداف بسبب الضعف. وتدلنا وقائع الأيام والتجارب الناجحة على انه يجب أن ينظر الإنسان إلى الهدف دائماً، وأن يعلم أن الانتقام يسبب تأخير الوصول إلى الهدف.

إن الجانحين إلى السلام بقوا أعلاماً في بلادهم، وفي غير بلادهم، بنما الجانحون إلى العنف والخشونة والشدة والغلظة ذهبوا ولم يبق لهم أثر إلا آثار النفرة والابتعاد.

س9- ما هي الآثار النفسية والاجتماعية والتربوية التي يمكن أن يخلفها العنف من خلال التراكمات السلوكية المتلاحقة؟.

ج- انحطاط المجتمع من قبيل عبادة البطن والفرج، وسرعة الغضب والاستبداد، وجمع المتزلفين والمتملقين وطلاب الشهوة والشهرة وأصحاب الأنانية والفردية، وإكثار السجون والتعذيب، والضرائب والمكوس، وعدم الاهتمام بآراء الناس وشؤونهم،وبث الدعايات الكاذبة، وتأليه الفرد وحجب العقل، واضطهاد المفكرين والمبدعين، وخنق أصواتهم، وكسر أقلامهم، وزرع الإرهاب والخوف، وفرض الرقابة والتجسس على الناس، وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب، واتخاذ القرارات الفردية، والبطش بالناس، والكبت والحرمان، وفتح الامتيازات لجماعة خاصة وهم المصفقون للنظام، زرع الخلافات والفرقة بين الناس وما إلى ذلك.

ومن المعروف أن ثلاثة أشياء قليلها كثير، وكثيرها كبير، هي: النار والعداوة والمرض.

س10- ما هي الصلة بين: القمع – الديكتاتورية – الكبت السياسي – العنف؟.

ج- إن الحكم الديكتاتوري لا يمكن أن يبقى، لأنه مبني على الإرهاب، والإرهاب لا يمكن أن يدوم، وقد قال الحكماء: (القسر لا يدوم)، والإرهاب ملازم للقسر، لأن الإنسان يتطلب السلم والأمان والإرهاب خلاف السلم والأمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأجهزة التي تعتمد عليها الديكتاتورية في الحكم تقوم على الإرهاب.

فلذا ترى أن رجالات السلطة على اختلاف مستوياتها لا يعرفون شيئاً مطلقاً عن أساليب الإقناع العقلي بوصفها وسيلة للحكم وإنما وسيلتهم الوحيدة السلاح، وهم يُدربون على اعتبار العنف رجولة، والازدراء بالناس كرامة، وأن الشك والمناقشة في أي شيء صادر من القمة -الزعيم الأوحد- هو من علامات الانحراف ومن شأن الديكتاتور أياً كان لونه التضييق على الناس.

ومن طبيعة الديكتاتور أن يجمع حول نفسه (إمعات) باسم أنهم الناس، بينما عقلاء القوم والسياسيون والمحنكون يعيشون ي حالة العزلة أو في السجون أو المنافي، أو يكون مصيرهم القبر.

س11- هل ثمة علاقة بين الديمقراطية وحرية الرأي والتعددية السياسية واللاعنف؟.

ج- نعم، لأن الحرية والتعددية تتعاطى مع الآخرين على أنهم سواء في الرأي والعمل وما أشبه، وإذا أردنا أن نعرف حريات أمة ننظر إلى انه هل الأمر بينها شورى في سائر مرافقها الحيوية؟ وكذلك هل هناك تعددية حزبية أو سياسية، وتوازن في القدرة أم لا؟ فإن كانتا، علمنا أنها أمة تعيش ضمن مجتمع مسالم تتعاطى السلطة فيها، مع الناس تعاطياً سليماً بخلاف ما إذا رأينا الاستبداد والتفرد فإن ذلك معناه تحكم السلطة واستفراد سياسة العنف والقوة، إذ تتجمع القدرة في مركز واحد (ديكتاتورية)، وإنما لا يحق لطائفة أن تعتدي اعتداءً جسمياً أو مالياً على طائفة أخرى.

ومن الواضح أن حرية الرأي والكلام والنشر وما أشبه، من مفاخر الإسلام الذي جاء لإنقاذ الإنسان من الكبت ومن كل أنواع الظلم، ولذا انتشر انتشاراً واسعاً، في أرجاء الأرض في فترة قياسية وقد وصف الباري عز وجل هذا الانتشار في كتابه الكريم، حيث قال تعالى: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً) وذلك لأن الرسول (ص) كان ليناً سمحاً، ولقد قال (ص) – كما في الحديث الوارد-: (وبعثت بالحنفية السمحاء).

وقال عز وجل: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فسياسة الإسلام قائمة على السلم، ومظاهر السلم تقوم على الحرية والاستشارية ونحوها.

إن المجتمع الاستشاري عبارة عن علاقات روحية متبادلة بين أعضاء الحكومة وبين الحكومة والشعب وبين الشعب والحكومة، على حسب الواقعية والعقلانية، وذلك يتطلب أن تكون المسؤولية الفعالة للحكام تجاه المواطنين مما يمكن دعمها باستمرار دون الالتجاء إلى العنف، بأي معنى كان العنف، وذلك لا يكون إلا بأن يختار الشعب حكامه بواسطة مؤسسات دستورية بحيث لا يتعرض الناس للتمييز على أساس العنصر أو الجنس أو الثروة أو اللون أو الحزبية أو غير ذلك.

ويكون الحاكم على تلك المؤسسات نظاماً يعطي للناس حق التصرف التام الذي يجعل اختيار الحكام سلمياً ودورياً، ولذا يجب أن يعتمد الاستشاري على سيطرة العقل على أفكار الناس دون سيطرة التمايزات الإقليمية أو اللونية أو اللغوية أو غيرها، فإذا أحس الناس بأن لهم الحق في أن يستفيدوا من مواهبهم وإمكاناتهم، حملوا الحكم في قلوبهم، فلا تقع المعارضة بين الحكومة وبين الشعب ولا بين الحكام بعضهم مع بعض وإنما تكون الانتخابات الحرة والتقدم والكفاءات هي التي تسيطر على الجميع، ومثل هذا البلد يكون مهوى قلوب الأحرار.

س12- ما هي آثار نهجي العنف واللاعنف على التنمية الإنسانية والاقتصادية والسياسية؟.

ج- إذا رأى الناس نوعية الحكم الإسلامي وامتيازاته، وأنه مبعث الراحة والطمأنينة والرفاه والتقدم، فلابد أن يلتفوا حوله، حيث إن الغرب والشرق حين رأوا بريق الإسلام وجماله وحسنه وعدالته أخذوا أشياء كثيرة منه، كالنظافة، والنظام، والجمال، والعلم، والثقافة، والتربية، والصناعة، مما كان المسلمون الأولون يتصفون به.

فإذا رأى الناس أن الإسلام رحيم وأنه لا يعدم، ولا يصادر، ولا يعذب، ولا يسجن، ولا ينفي، فلابد وأن يلتفوا حوله.

إما إذا كانت الدولة مضطربة، توقف الكل عن عمله فتجمد الكفاءات، ولا يعمل أي عامل لا في الزراعة ولا في الصناعة ولا في التجارة، ولا في غيرها، وبذلك تزداد الدولة اضطراباً وكثيراً ما تنتهي مثل هذه الدولة إلى السقوط.

وليس الاستقرار بالادعاء، والكلمات الفارغة، والخطب التي تلقى من على منبر الإذاعة والتلفزيون، التي عادة ما يضعها المستبدون، بل بفتح الجامعات، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلا مصادرات ولا إعدامات، ولا ضرائب اعتباطية، ولا يخاف الناس من أن يتكلموا أو يكتبوا.

س13- عالمنا الحاضر يعج كثيراً بالمشكلات الاجتماعية والسياسية، فهل يمكن حلها بالتوسل بنهج العنف أم أن هناك أساليب أفضل؟.

ج- الضغط يولد الانفجار، والعنف يولد العنف. ويلزم أن نفكر في هذه المشاكل تفكيراً جدياً واقعياً وأن نفكر بالطرق الصحيحة لحلها والتي يجب أن تكون ضمن هذه البنود:

الأول: ثورة ثقافية عامة تقنع الناس وتجذبهم.

الثاني: يجب أن تتخذ سياسة الإسلام في ما قاله القرآن (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل: 125.

الثالث: المداراة مع الأعداء.

الرابع: التدرج في الصعود، فإن بطئ النمو بطيء الزوال أيضاً، بينما سريع النمو سريع الزوال. ولنتخذ رسول الله (ص) نموذجاً وقدوة لإقامة أحكام الإسلام فإنه قد أقام الأحكام تدريجياً، وبذلك تمكن (ص) أن يقيم حكماً مستقر الأركان.

س14- هل أن اعتماد الإسلام لفكرة السلم هو سبب انتشاره؟.

ج- انطواء الإسلام على السلام، هو الذي سبب تقدمه أولاً،وكان السبب في تقدمه في المرة الثانية، بعد غزو الصليبيين لبلاد الإسلام من الغرب، والمغول من الشرق.

وبالسلام نرجو أن نقدم الإسلام في هذا القرن، حيث تتوالى غزوات الشرق والغرب، بمختلف أشكال الغزو، على بلاد الإسلام.

وذكر المؤرخون أن مكة التي كانت عاصمة الكفر والشرك والنفاق وسفك الدماء والأنانيات والكبرياء، لما استسلمت لرسول الله (ص) لم يظهر أكثرهم الإسلام وبقوا على الشرك، والرسول لم يجبرهم على الإسلام أبداً، وإنما تركهم وشأنهم حتى يعايشوا الحكم الإسلامي ويسلموا في المستقبل.

س15- ما هي السبل التي يمكن من خلالها نشر ثقافة اللاعنف، إذ يعتقد البعض بأن اللاعنف مفهوم مثالي يصعب تطبيقه؟.

ج- السلم في أول أمره صعب، ويحتاج إلى ضبط الأعصاب، والى عفو وإغضاء، والى مقدرة نفسية توجب أن يعمل الإنسان بحزم وبالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت: 35.

فالواجب أن يكون الشعار السلام، السلام قولاً، السلام فعلاً، السلام كتابة، والسلام في كل موقع ومع كل الناس. ولذا نرى أن العديد من المصلحين الذين تمكنوا من إنقاذ بلادهم من الاستعمار كانوا قادرين على ضبط النفس، وقد كان أحدهم غير قادر على ذلك، وكان يتهيج لأقل استفزاز، ثم إنه أخذ يلقن نفسه كل يوم: (إني رجل مسالم احب الخير لكل الناس)، ويقول: (كل يوم حين كنت أستيقظ في أول الصباح كنت ألقن نفسي هذه الكلمة، و حين كنت أريد النوم ألقن نفسي هذه الكلمة أيضاً، وهكذا حتى استطاعت أعصابي أن تتحمل الضغط والإهانة وما أشبه).

وإن للتلقين أثراً كبيراً في داخل النفس، وذلك بالتلقين الدائم بأنه إنسان مسالم، حازم، عاقل، مفكر، مدبر، مدير، فإذا لقن نفسه بهذا التلقين في ليله ونهاره وشهره وسنته، فإنه يتطبع بطابع السلم، فالتلقين أولاً ثم الثقافة ثانياً.

فإن الثقافة هي التي تغير مسيرة الإنسان إلى الأحسن أو الأسوأ. فإذا طبعنا ألف مليون كتاب ووزعناها على المسلمين نكون قد قمنا بشيء من التوعية.

وفي سبيل إعطاء الرشد الفكري للمسلمين علينا بالجهاد، الجهاد بالقلم واللسان وبمختلف وسائل الإعلام العصرية المؤثرة. وهذا أفضل من الجهاد في المعركة؛ ولذا نجد الحديث الشريف يقول: (مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء).

س16- بعض الجهات تتوسل بالعنف وتقول بأنه هو الطريق لإحياء مشروع النهضة الإسلامية، فهل هذا المنهج هو حقاً الطريق إلى تحقيق هذا الهدف أم أن العكس هو الصحيح؟.

ج- الناس لا ينضوون تحت الحكم بالسيف والسهام والحراب والسجون والمعتقلات والمشانق والسباب والتهم وتبعيد الناس، بل البشرية تنضوي تحت لواء وحكم، القلوب الرحيمة النابضة بالمحبة والصدق والصفاء. فإذا حملت القلوب الحكم بقي راسخاً دائماً، ثابتاً، مستقراً مستمراً، ولم يتمكن الأعداء من زحزحته.

إن المسلمين محاطون بأعداء ألداء من صليبيين وصهاينة وشيوعيين وعملاء لهم في الداخل وفي الخارج، فهل بالإمكان أن يقام الحكم بغير منهج رسول الله (ص) ؟.

هذه حقيقة، العنيف عنيف مع الأصدقاء ومع الغرباء ومع البعداء، واللين لين مع الأصدقاء ومع البعداء، وقد ورد عن عيسى (ع) في كلمة جميلة تنسب إليه (إذ قيل لكم أحبوا أصدقاءكم ليس ذلك بمهم فإن العشارين أيضاً يحبون أصدقاءهم وإنما أقول لكم أحبوا أعداءكم) فإن الظاهر من كلام عيسى (ع) أن السبب لا يرجع إلى نفع العدو بمثل ما يرجع بنفع الإنسان نفسه، فإن الإنسان الذي يحب عدوه يقوم بوصله ومواصلته، وذلك ما يسبب رجوع العدو عن عداوته.

س17- الحركات الإسلامية بشقيها، الذي ينتهج العنف والآخر الذي يتبنى اللاعنف، كل يدعم منهجه وسلوكه بآيات وأحاديث، فأيهما يمكن أن يوصل للغايات والمقاصي التي تبني مشروعاً إسلامياً حضارياً؟.

ج- كانت السيرة النبوية وسيرة فاطمة الزهراء (ع) والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، السلام، فكان السلام شعاراً لهم في كل شؤونهم وحتى في حروبهم.

وهذا النجاح المنقطع النظير لنبي الإسلام والأئمة -صلوات الله عليهم أجمعين- إنما هو  لأسباب من جملتها السلام الذي كانوا يتحلون به في كل شؤونهم، ولذا نجد العباسيين والأمويين والعثمانيين ذهبوا حيث لا يذكرهم أحد مطلقاً إلا بسوء بينما قادة الإسلام الحقيقيون يذكرون بكل خير ويعرفهم الناس بالسلام والعفو والصفح.

إن السلام أحمد عاقبة وأسرع للوصول إلى الهدف.. السلم والسلام والمسالمة أصول توجب تقدم المسالم، بينما غير المسالم والعنيف يظل متأخراً دائماً.

إن الجانحين إلى السلام بقوا أعلاماً في بلادهم، وفي غير بلادهم بينما الجانحون إلى العنف والخشونة والشدة والغلظة ذهبوا ولم يبق لهم أثر إلا آثار النفرة والابتعاد.

إذن، الحركة الإسلامية التي تريد النهوض لأجل إقامة حكومة ألف مليون مسلم عليها أن تتخذ السلام شعاراً عملياً حتى تتمكن من استقطاب الناس، ومن دفع الأعداء، ولو فرض أن الحركة سقطت أو تعثرت فلا بد أن تقوم بعد عثرتها، ولأن من طبيعة الناس الانتصار للمسالمين، والانتقام من المحاربين.

س18- كيف يمكن العمل على توضيح موقف الإسلام من أحداث 11 سبتمبر 2001، خاصة وأن تلك العمليات المروعة أساءت إلى سمعة الإسلام والمسلمين في الغرب؟.

ج- إذا جعلت الحركة الإسلامية السلام شعاراً واقعياً – لا دعائياً فقط- في القول والعمل والفكر والتأليف والخطابة والاجتماع، فإنها تتمكن من التقدم حتى تشمل كافة بلاد الإسلام، ولقد فشلت قبل هذا اليوم كثير من الحركات الإسلامية في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي بسبب عدم التزامها بأخلاقيات العمل، والسلام، والتقدم.

إن هذه الحركات يجب أن تكون لنا عبرة لكي لا نكرر أخطاءها، وعلينا أن نلتزم نحن أولاً بما نقوم به وندعو إليه وهو الإسلام القائم على اللاعنف والمحبة والرحمة بالجميع.

وإلا فإن الناس يقولون: لو كان في حركتهم خير لكانوا قد التزموا -هم- بما يدعون إليه.

فمن الضروري إعطاء الأجانب صورة صحيحة عن الإسلام، ويتم ذلك عبر:

 أ) تثقيف ملايين المسلمين المقيمين في البلاد الأجنبية.

ب) تأسيس وتكوين محطات الإذاعة والتلفزة، والمجلات والصحف لتنشر التعاليم الإسلامية الصحيحة.

ج) تأسيس مؤسسات التبليغ الإسلامي في كل دولة أجنبية، وتكون مهمة كل مؤسسة تكوين فروع وممثلين عنها في كافة أنحاء الدولة، ليكونوا -على أقل تقدير- ألف ممثل وفرع، مهمتهم بيع ونشر وتوزيع الكتب والمجلات. والى جانب ذلك يقومون بمهمة الاتصال بشعوب تلك البلاد ومثقفيها وتكوين علاقات معهم كمقدمة لهدايتهم وتوجيههم.

وليس تحقق ذلك خيالاً سوفسطائياً أو حلماً بعيداً عن الواقع، بل إنه أمر واقعي، ولكنه يحتاج إلى جهود مضنية قد تستمر عشرين سنة أو أكثر أو أقل حتى يتحقق الهدف المنشود بإذن الله تعالى.

س19- هل كان الأصل في حركة الرسول الأعظم (ص) العفو والإحسان والسلم أم العنف؟ وهل كانت حروبه مؤشراً على العنف أم أنها كانت دفاعية؟ وماذا عن سيرة الإمام علي (ع) وماذا عن صلح الإمام الحسن (ع) وماذا عن ثورة الإمام الحسين (ع)؟ وهل أن في هذه السبل تعبيراً مختلفاً عن العنف واللاعنف أم أنها متصلة ببعض ولها ملامح مدرسة خاصة، وما هي هذه المدرسة؟.

ج- الرسول الأكرم (ص) عندما فتح مكة عفا عن حكامها ومجرميها ولم يؤاخذهم بما سبق منهم، فقد عفا عن أبي سفيان وصفوان وغيرهما، واصدر قراراً عاماً (اذهبوا فأنتم الطلقاء) وهكذا لم يقتل النبي (ص) أحداً ولم يسفك الدماء ولم يصادر الأموال.. هذا الأسلوب أوجب استقرار حكومة النبي (ص) فعندما أراد (ص) مغادرة مكة، عين عتاب بن أسيد -وكان شاباً عمره زهاء العشرين سنة! -حاكماً على مكة- عاصمة التحركات المناهضة للنبي(ص) لأكثر من عشرين سنة!- ولم يجعل معه حرساً ولا شرطة ولا أجهزة ولا مخابرات ولا أي جهاز عسكري أو إرهابي آخر.

فكيف استطاع شاب واحد أن يحافظ على استقرار عاصمة استراتيجية كمكة المكرمة؟ أليس ذلك لسياسة (اللاعنف) التي اتخذها النبي (ص) تجاه أهل مكة؟.

وحروب الرسول (ص) والإمام علي (ع) كانت دفاعية، وكان الإمام علي (ع) في حكومته يتبع آثار الرسول (ص) كما كان قبل حكومته كذلك، فكان علي(ع) الحاكم رجلاً عادلاً فاضلاً شعبياً استشارياً إلى أبعد الحدود، كما أن الشعب في زمان علي (ع) -مسلمهم وكافرهم- كانوا في حرية تامة ورفاه شامل من أقصى بلاده (ع) إلى أقصى بلاده، وإنه كان رئيس أكبر دولة في عالم ذلك اليوم.

وكذلك كانت سيرة الإمام الحسن (ع) طيلة فترة حكمه التي دامت ثمانية أشهر وقبلها وبعدها، وقد قال (ع): (كانت جماجم العرب بيدي فوهبتها قربة إلى الله تعالى). وكان الإمام  الحسين (ع) كذلك حتى كان الاستشهاد لابد منه حيث تكون الشهادة محتومة في حالتي الإقدام والاحجام، وحينئذٍ يختار الإنسان أفضل الطريقين وهو طريق الاستشهاد، لأنه يوجب كسب المستقبل. وقد أشار (ع) إلى ذلك بقوله لابن الحنفية وغيره: (إن بني أمية لا يتركونني، ولو دخلت في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني) ولهذا نرى أن الإمام الحسين (ع) كان يفرق جموعه وأصحابه أخذاً من المدينة المنورة وانتهاءً بليلة عاشوراء، حيث كان يريد الاستشهاد الذي فيه يُقدّم الإسلام والمسلمون، وإزالة الظلم والظالمين، أراد أن يكون استشهاده محفوفاً بأكبر قدر ممكن من المظلومية، حيث إن المظلوم يستجمع العواطف حوله.

وكلهم (ع) مدرستهم واحدة وكلهم تحمل الصعاب وقتل في سبيل تبليغ رسالات الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) الأحزاب: 39.

وهذا الأمر ليس خاصاً بمن يمارس التغيير وإنما هو عام لكل من يريد التقدم والرقي لشيء أو يريد تقدم نفسه في سبيل الله (سبحانه وتعالى).

س20- على من تقع مسؤولية وقف دوامة العنف؟ هل هي مسؤولية العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي؟ أم هي مسؤولية الحكومات في العالم الإسلامي ونهج الحكم الذي يمارسونه مع شعوبهم؟أم أن هناك دوراً لسياسة الغرب تجاه الشعوب في الشرق في استمرار دوامة العنف؟.

ج- إنها مسؤولية الجميع من العلماء العاملين والمفكرين المخلصين والحكام الصادقين؛ فإن من يريد التقدم والرفاه والوصول إلى الأهداف الكبرى، فعلى العلماء أن يعلّموا وعلى المفكرين أن يكتبوا ويثقفوا وعلى الساسة والحكام أن يستجيبوا وأول ما يجب عليهم في هذا هو الاستجابة لنداء الشرع والعقل بالتخلي عن الاستبداد والديكتاتورية التي هي الأرض الخصبة لكل المساوئ و من أبرزها العنف فإن جو الديكتاتورية يسبب تكثير الانتفاضات والانقلابات لعدم استقامة المجتمع، سواء كانت الدكتاتورية من وحي الخارج، كما نشاهده في العالم الثالث المعاصر، حيث أن الحكومات الاستعمارية تسبب الثورات والانقلابات في هذا العالم المتخلف، أو بأسباب داخلية من جهة عدم توزيع القدرة، بينما نرى عكس ذلك في المجتمع المتقدم فإن الإيمان بنعيم الآخرة للمحرومين وانتشار الأخلاق في المجتمع ووجود الجمعيات الإنسانية والدعاة والوعظ والمرشدين وانفتاح الطريق أمام الكل للاغتراف من الاقتصاد، والسياسة، والعلم، والاجتماع، والتربية، وغير ذلك مما يوجب  انعدام الحرمان القانوني فلا تحدث ثورة ولا انتفاضة ولا أعمال تخريب، ولاشك في صحة الأسس التي بني عليها الاجتماع الذي يعيش في جو الاستشارية لأن الأخلاق تلائم الطبع، والدعوة إلى نعيم الآخرة تكون سلوة للإنسان بالإضافة إلى أنها واقعية، والحرية المتاحة لكل إنسان لا تدع مجالاً لتراكم الكراهية، واستقامة الحكم بالانتخابات الحرة تمتص النقمة وتسد الطرق الملتوية في وجوه طلاب الرئاسة وتمنعهم من الانقضاض على كرسي الحكم بواسطة الدبابات والسلاح، ولو حدث ذلك لم يساعدهم الناس، بل يؤخذون إلى المحاكم لتدينهم بسبب ما ارتكبوه من الجريمة وتعكير الأمن، كما حدث مثل ذلك في بعض البلاد الغربية.

اعداد: الشيخ علي الشمري  –  الشيخ مكي آخوند

معنى اللاعنف وتقسيماته

 

يُعرِّف الإمام الشيرازي (رحمه الله) اللاعنف كالتالي: (أن يعالج الإنسان، الأشياء سواء كان بناءً أو هدماً، بكل لين ورفق؛ حتى لا يتأذى أحد من العلاج؛ فهو بمثابة البلسم الذي يوضع على الجسم المتألم حتى يطيب) (6).

ولذا فالواجب على التيار الإسلامي والدولة الإسلامية اختيار اللاعنف في الوصول إلى مآربهما، وهي إقامة الدولة الإسلامية بالنسبة إلى التيار، وإبقاؤها بالنسبة إلى الدولة القائمة؛ حتى تتسع وتطّرد في بعدي الكم والكيف. والمراد باللاعنف الذي يجب أن يجعله الإنسان شعاراً: اللاعنف الملكي (نسبة إلى الملكة/القدرة) لا القسري، فإن اللاعنف على ثلاثة أقسام:

الأول: اللاعنف الملكي أي أن تكون نفسية تظهر على الجوارح عن ملكة، كما أن الشجاعة والكرم والعفة والعدالة وأشباهها كذلك.

الثاني: اللاعنف القسري، قسراً خارجياً، أي إن الضعف أوجب ذلك، فإن الضعيف يلتجيء إلى اللاعنف للوصول إلى هدفه؛ فإذا صفعه ظالم جبار ولم يتمكن أن يقابله بالمثل صبر. وهذا أسوأ أقسام اللاعنف؛ فهو كالإنسان الذي يعفو عن مقابلة السب بالسب لأنه أبكم.

الثالث: اللاعنف القسري العقلائي، أي أن يُرجح اللاعنف على العنف، من باب الأهم والمهم، وهذا قادر على العنف، لا كالثاني، ولا ينبع اللاعنف عن ضمير وفضيلة، وإنما يرجحه حيث أنه يراه طريقاً للوصول إلى هدفه(7).

إذاً (فاللاعنف يحتاج إلى نفسٍ قوية جداً، تتلقى الصدمة بكل رحابةٍ، ولا تردها، وإن سنحت الفرصة. واللاعنف يتجلى في كل من اليد، واللسان، والقلب، وأحدها أسهل من الآخر… نعم.. ليس من اللاعنف أن لا يقي الإنسان جسمه من الصدمة الموجهة إليه؛ فهو وقاية لا عنف، والوقاية من اللاعنف) (8).

وعن (أسلوب الوقاية) هذه، والتي هي -بالطبع- مغايرة تماماً للعنف، بل هي من اللاعنف كما أسلفنا، يمكننا أن نستدعي هنا تعبير الباحث عبد الإله بلقزيز، فهو -بعد تقسيمه للعنف إلى قسمين: مادي ورمزي- يقول: (هناك حاجة (أخرى) للتمييز بين نوعين آخرين من العنف: بين العنف الشرعي والعنف غير المشروع)، إذ (ينتمي إلى العنف الشرعي كل نوع من أنواع استعمال القوة لانتزاع الحقوق أو لإقرارها على النحو الذي يدفع الظلم، ومن ذلك استعمال القوة لطرد الاحتلال واستعادة الأرض والسيادة، أو استعمال العنف لكف الظلم الإجتماعي. إن شرعية هذا النوع من العنف متأتاة من واقع اغْتِصَابٍ عَرَضَ للحقوق، وقد يكون أسْلوباً لا مناص منه، إن تَعَذَّرَ تحصيل هذه الحقوق بشكلٍ سلمي. وما قد يفعله شَعْبٌ احتلت أرْضُهُ، أو دَوْلَةٌ استشرى فيها الفساد والانحراف، هو في جملة هذا العنف الشرعي. أما العنف غير المشروع.. فهو كل استعمال للقوة للاحتفاظ بحق مزعوم، أو لانتزاع حق قابل لأن يُنْتَزَع بدون عنف) (9).

فالإمام الشيرازي (قدس سره) يرى بأن استخدام استراتيجية اللاعنف اليدوي ضرورة محتمة بالنسبة إلى من لا قوة له -وكذا من له قوة-؛ فبغير هذا النهج قد لا تنجح الدعوة. وما كتب النجاح لدعوات الأنبياء والمصلحين، لولا استخدامهم لهذا الطريق الذي هو خيار لكل مصلح عظيم، وصاحب مبدأ رشيد، (فما تقول في نبي الإسلام محمد (ص)؟ هل كان يردُّ الإيذاء -في مكة-؟ إن التاريخ يشهد بأنه كان يتجرع الاعتداءات اليدوية بكل رحابة.. فحين كان أبو لهب يحصبه بالحجارة، وأم جميل تلقي في طريقه الأشواك، وكافر آخر يفرغ على رأسه الكريم سلى الشاة، وهو في الصلاة، ومشرك يبصق في وجهه الطاهر، وزائغ يلقي القذارة في طعامه، ومولى أبي جهل يشج رأسه بقوس، و.. كان يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). وهكذا كان نوح ولوط وإبراهيم وإسماعيل (ع)… واللاعنف اليدوي سلاح يجلب إلى الداعي النفوس، ويؤلب على أعدائه الناس) (10)، ولذا يحكى عن غاندي محرر الهند قوله: تعلمت من الحسين (ع) كيف أكون مظلوماً فأنتصر. وما أحوجنا -نحن- لتعلم هذا الدرس؟.

وقد يخلط أناس -كما يرى الإمام الشيرازي- بين آيتي: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة:194)، و(خُذْ الْعَفْوَ) (الأعراف: 200)، (مع أن لكل منهما مجالاً غير مجال الآخر.. فيقول: كيف يمكن أن يؤمر الإنسان بعدم رد الاعتداء، فإن ذلك مما يسبب غلواء المعتدين، أو فسادهم أكثر فأكثر… لكن.. لكل شيء مجال.. فالدعوة تحتاج إلى قدر كبير من السلم، وبالأخص إذا قاومتها قوى هائلة، بينما لا تملك الدعوة شيئاً إلا الحق. وفي هذا المجال يصدق قول الشاعر:

إذا لم تجد غير الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلاَّ ركوبها

ولذا نرى نبي الإسلام العظيم (ص) كان يصبّر بلالاً وخباباً، وسمية وعماراً، وغيرهم.. ممن ترد عليهم الصدمات المرهقة من الكفار.. ليس ذلك لأن رد الاعتداء غير صحيح، بل ذلك لأن رد الاعتداء لصاحب الدعوة، ينقض الغرض؛ ولذا حين قبض الإسلام على السيف، وضع حداً للفوضى والاعتداءات الوحشية، وإن تذرع بالعفو في كثير من الأحيان حين لم يكن ضاراً… فمن شرائط المصلح الإسلامي في هذا العصر، إذا أراد نجاح قصة الإسلام… أن يتذرع باللاعنف الجسدي، فلا يضرب بيد، ولا يرفس برجل، ولا يتناول بالأسنان، لمن قابل دعوته، واستعمل الشدة تلقائه. أما السيف وآلة النار.. فهما كفيلان للإخفاق قطعاً) (11).

ويذهب إلى هذا الرأي أيضاً المرحوم آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، حيث يقول: (إن العنف المسلح وسيلة فاشلة في العمل السياسي، سواء في ذلك باعتبارها وسيلة للتعبير عن الرأي السياسي والحصول على شرعية الوجود في المجتمع، أو باعتبارها وسيلة للانتصار السياسي على الخصم) (12).

وسقوط ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي -السابق- ربما يكون خير مثال يمكننا استحضاره عند الحديث عن فشل سياسة العنف على المدى البعيد؛ فالاتحاد السوفيتي كان يملك زهاء ثلاثين ألف قنبلة نووية، إلاَّ أنه مع ذلك انهار كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف!.

تأصيل السلم واللاعنف

الإمام الشيرازي (قدس سره) عندما يدعو لسلوك طريق السلم واللاعنف، يداً ولساناً وقلباً، فإنه يستند لجملة من الأسس التي بلور من خلالها نظريته هذه، وأهم مرتكزاته في ذلك، تتمثل فيما يلي:

1- القرآن الكريم: ففيه العديد من الآيات البيِّنات التي طالما استشهد بها الإمام الشيرازي واستند عليها حين تسجيله لرؤيته اللاعنفية. وهي -الآيات- بطبيعة الحال تحث الإنسان على اجتراح هذه الطريق الشائكة، (ولا نزال نرى في القرآن الحكيم خير دعوة علمية وعملية إلى اللاعنف والسلم) (13)، كما هي وجهة نظره (قدس سره).

وهنا أسجل بعضاً من هذه الآيات ليتدبرها القارئ:

يقول سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).

ويقول: (وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا) (الفرقان: 63).

ويقول: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت: 46).

ويقول: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199).

ويقول: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108).

ويقول: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) (آل عمران: 159).

ويقول: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (النور: 22).. إلى غيرها وغيرها من آيات الذكر الحكيم.

2- سيرة الرسول (ص) وأهل بيته (ع)، فهم (صلوات الله عليهم) كانوا أبرز تجلٍّ ومصداق لسلوك منهجية (السلم واللاعنف) في الأمة؛ فالإمام الشيرازي (قدس سره) يعدُّ الرسول الأكرم (ص) قائد الحركة السلمية اللاعنفية الأولى في تاريخ العالم. وقد ألّف حول ذلك كتاب عن تاريخ الرسول الأعظم (ص)، وعنونه -كما يذكر- ( (ولأول مرة في تاريخ العالم)؛ لأنه لأول مرة في التاريخ، وبعد فترة من الرسل ظهرت هذه الحركة السلمية الشاملة، والإلهية المباركة، بقيادة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (ص) ، وذلك بهذا الشكل الذي لا يزال يتفاعل في النفوس، ويترك أثره الطيب في العالم حتى اليوم) (14). ويتبنى هذه الرؤية أيضاً الباحث خالص جلبي إذ يشير إلى (أن محمد بن عبد الله (ص) كان صاحب أعظم ثورة لا عنفية، في تاريخ الجنس البشري، نجح فيها نجاحاً كاملاً، وأقام النظام السياسي، بدون انقلاب عسكري، وجيوش وأسلحة، وحروب وغزوات، وبدون سفك دماء) (15).

وهذا الإمام علي بن أبي طالب (ع) -كمثال آخر لسلوك اللاعنف- يقول في أمر الخلافة: (لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري. والله لأُسلِّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جورٌ إلاَّ عليَّ خاصة التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة) (16). كما أن علياً (ع) هو الذي هتف بأمرٍ من الرسول (ص) -عندما فتح المسلمون مكة المكرمة- بشعار: (اليوم يوم المرحمة اليوم تحمى الحرمة.. ) بعد أن ردد سعد بن عبادة شعاره الجاهلي: (اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة)!.. وللقارئ أن يتأمل الفرق الكبير والشاسع بين الشعارين!! ليطمئن إلى أن السلم واللاعنف خيار استراتيجي في الإسلام، (ولذا نرى أن الأنبياء والأئمة (ع)، والمصلحين كانوا يجنحون للسلام لا قبل قدرتهم بل حتى بعد قدرتهم) (17).

ولا تفوتني الإشارة هنا إلى أن الإمام الشيرازي (رحمه الله)، وضمن كتاباته المتعددة، لم يفتأ عن ترديده لروايتين ورد فيهما لفظ (اللاعنف) لفظاً ومعنىً، إحداهما مروية عن رسول الله(ص)، والثانية عن الإمام الصادق(ع)، وكلاهما -كما يذكر- مثبتتان في موسوعة (بحار الأنوار) للعلامة المجلسي، ونصهما: (من علامات المؤمن اللاعنف) (18). (وقبل الروايتين أيّد العقل هذا المبدأ) (19).

3- قراءاته العميقة للتجارب التاريخية والمعاصرة، وإعمال عقله في تحليلها. حيث يقول -على سبيل المثال-: (إن العنف واللاعنف، ليسا مؤثرين -بالضد- بالنسبة إلى الدعوة الإسلامية فقط، بل بالنسبة إلى كل مبدأ ودعوة. وهناك مثل بسيط، ومقارنة جلية بين الحركة التحررية في الهند وفي الجزائر؛ فإن الهند تذرعت باللاعنف، فأسفرت حركتها عن تحرير أبيض، لم يتمكن المستعمر من إراقة الدماء فيها إلاَّ بقدر يسير نسبته إلى المجموع – وهم ينوفون على أربع مائة مليون نسمة – الواحد إلى المائتين أو أبعد، بينما أبطال المسلمين في الجزائر رأوا آية السيف، تمسكاً بالجهاد -حسب اجتهادهم طبعاً- فأسفرت الحركة عن قتل مليونين، وسجن مليون، بينما جميع نفوس الجزائر لا تزيد على أحد عشر مليوناً، فنسبة الإراقة إلى النفوس: الخمس. وإني لا أريد أن أخطئ موقف الجزائر الباسل، فلعلي لو كنت هناك ورأيت الظروف والملابسات، لكنت ممن أسهموا في نفس الحركة.. وإنما أريد أن أبين أن اللاعنف أسلم بكثير من الحرب) (20).

وخلاصة القول: أن الإمام الشيرازي لم ينطلق حين تأسيسه لنظريته في السلم واللاعنف من الفراغ، بل لم يشأ أن يستنسخ تجارب الآخرين من غير تعقلٍ، إنما أصَّل لأطروحته قرآنياً، ونبوياً(21)، وعقلياً؛ إذ إن الأصل في الإسلام السلم واللاعنف.. إذاً فكرته هذه ليست (أضغاث أحلامٍ)، كما قد يتوهم البعض في محاولة منهم لكشط منهج اللاعنف بجرة قلم! وأنّى لهم ذلك؟ مادام هذا المسلك طريق الأنبياء والأئمة والمصلحين. نعم، (ولن تجد لسنة الله تبديلا).

التسامح.. الفريضة الغائبة

في الكثير من الأحيان قد نسمع عن هذه المفردة، أعني التسامح؛ فهي كلمة ربما تخرج من أفواه العديد من الناس، كما أن البعض قد يستعذب نطقها! إلاّ أن السؤال المحير الذي أود طرحه هنا، هو التالي: هل أننا جميعاً نعمل وفق هذه المفردة؟ بمعنى آخر، هل نحن كمسلمين نعمل بهذه الفضيلة الأخلاقية والقيمة الإنسانية التي دعت إليها فطرة الإنسان وعقله، كما دعا إليها الدين الإسلامي في الكثير من نصوصه وآثاره، وجميع الرسل الذين أُرسلوا بالحق؟.

للإجابة على هذا السؤال نحتاج لاستقراء ردود فعل الناس والمجتمعات من حولنا، قديماً وحديثاً؛ فنحن قد نقرأ الآيات القرآنية التي تحدثت عن ابني آدم بالحق: (إذ قرّبا قُرباناً فُتُقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) (المائدة:27-28). فما كان من قابيل إلاّ أن قتل أخاه هابيل، ليصبح بعمله هذا مرتكباً لأول جريمة قتل في التاريخ. وأثناء قراءتنا لهذه الآيات قد نشيد بموقف هابيل (اللاعنفي المتسامح)، ونشجب موقف قابيل (الدموي العنيف)، ولكن ماذا لو كنا نحن في موقفٍ كهذا؟ هل سنُجيب كما أجاب هابيل أم سنُشمّر عن أيدينا للقتال كما فعل قابيل؟.

أعتقد بأننا سنُشمّر عن أيدينا للقتال، خاصة إذا كنا في موقف قوة، بالرغم من أن القرآن أُنزل للتطبيق، وحكى لنا القصة لنتمثل دور هابيل لا دور قابيل! نعم، قد يحفظ الكثير منا عن ظهر قلب مواقف الرسول الأكرم محمد بن عبد الله (ص) من أعدائه، والتي تجلت فيها أسمى صور التسامح واللاعنف، فمن منا ينسى موقفه المتسامح من (وحشي) قاتل عمه حمزة؟، ومن منا ينسى موقفه من مشركي مكة عندما فتحها؟.

ولكن السؤال هنا: هل نتمثل نحن مواقفه الشريفة ونحاول الاقتداء به، أم لا؟.

بعد عرضنا الموجز لموقفٍ من القرآن الكريم يحكي حالة العنف واللاعنف، وآخر من السنة الشريفة، واستطراداً في الحديث، أقول: قد نقرأ أيضاً للشاعر مقولته الرائعة التي يقول فيها:

وعاشر بمعروفٍ وسامح من اعتدى وفـــارق ولكن بالتي هي أحسن

وقد يتغنى بعضنا بهذه المقولة، إلاّ أنه عندما يجد من يعتدي عليه، سواء كان ذلك الاعتداء باللسان أو باليد أو.. فلا يتردد المعُتدى عليه بالرد بالتي هي أشد وأقسى! وعندما يفارق من هم كانوا بالنسبة إليه أشرف الناس، يغادرهم وهو يتحدث عنهم كأناسٍ نصابين ودجالين!.

كما أنه قد يردد أحدنا سيمفونية:

يخاطبني السفيه بـكــل قبحٍ فــــأكـــره أن أكـــون لــه مــُجـيـــــبا

يــــزيــدُ ســــــفـاهةً فــــأزيدُ حلماً كــــــعـــودٍ زاده الإحـــــراق طيـــــبـــا

لكن ما الذي يحدث للواحد منا عندما يسمع كلمة نابية من شخصٍ ما؟ ما الذي يحدث عندما يرد عليه أحد السفهاء بقبحٍ؟ هل هو في مثل هذه الحالة يكره أن يكون مجيباً للسفيه، أم أنه سيرد عليه بأقبح مما سمع؟ وفي حالة ازدياد سفاهة السفيه، هل سيزداد الحليم حُلماً، أم ماذا؟.

فالكثير من الناس في حالة الغضب يتناسى هذه المفردة (التسامح) بالرغم من ترديده لها طوال الأوقات الهادئة التي يمر بها، خصوصاً إذا كان في موضع الواعظ! كأن يكون مدرساً في فصلٍ دراسي، أو خطيباً في مسجد، أو كاتباً في صحيفة، أو.. إلخ. فهذه حقيقة موجودة عند الكثير من الناس؛ فهم يتحدثون عن التسامح ليلاً ليمارسوا العنف صباحاً.. يؤمنون بالتسامح نظرياً ويكفرون به عملياً، تراهم يقولون مالا يفعلون!.

قد يتضح لنا من خلال السياق السابق بأن اللاعنف اللساني -كما هي رؤية الإمام الشيرازي- هو (أصعب بكثير من اللاعنف اليدوي؛ ولذا ترى كثيراً ما لا يستعد الإنسان على أن يضرب أحداً أو يطلق عليه النار، بينما يستعد أن يسلقه بلسان حاد ويهمزه ويلمزه؛ وذلك لأن اللسان لا عواقب له في الدنيا غالباً حتى يخاف الإنسان من شروره إذا أطلقه بالسباب والطعن وما إليهما، بينما اليد لها من العواقب الوخيمة الشيء الكثير… وعلى أي حال فاللاعنف اللساني هو أن يزمّ الإنسان لسانه ويلجم كلامه عن النيل من المعتدي سواء كان معتدياً بيد أو لسان، وهو فضيلة كبرى يلزم على أصحاب الدعوة أن يمارسوها.. وفي القرآن الحكيم: (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (ولا يلقّاها إلا الذين صبروا ولا يلقّاها إلا ذو حظ عظيم) إنه حظ، يسميه إله الكون حظاً عظيماً؛ إذ كيف يقدر إنسان أن يرد السب بالمدح، والقدح بالثناء، والتنقيص بالإطراء، إلا إذا كان صابراً، وإلا إذا كان ذا حظ عظيم. وفي دعاء الإمام السجاد (ع) المعروف بدعاء مكارم الأخلاق: (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافئ من قطعني بالصلة، وأخالف من اغتابني إلى حسن الذكر، وأن أشكر الحسنة، وأغضي عن السيئة) (22).

مناخ العنف

نتيجة لحالة الحصار والكبت التي تعرضت لها بعض الجماعات الإسلامية، انبثق لدى جهاتٍ منها خيار العنف؛ إذ تصور بعض قادتها أن السلاح لا يمكن أن يجابه إلاَّ بالسلاح. (وقد توجه اهتمام هذه الجماعات لالتماس أساس فقهي لشرعية استعمال العنف المسلح. وقد وقعت الحركة الإسلامية بسبب ذلك في أخطاء كثيرة على مستوى المفاهيم وعلى مستوى التطبيق، كما وقعت ضحية بعض (علماء الدين) الذين استجابوا لبعض نوازعهم وحاجاتهم النفسية أو الفهم الخاطئ، فأباحوا العنف المسلح الذي اتسعت رقعة استباحته فوقع ضحيته مسلمون مخلصون فيهم إسلاميون مخلصون أيضاً) (23).

وفي حين اتجهت بعض فصائل الحركة الإسلامية إلى سياسة الخطف والاغتيالات وغيرها من الأعمال الممجوجة، شرعاً وعقلاً وعاطفةً، نرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) يفتي في كتابه (فقه المرور)، تحت عنوان: لا لعمليات الاختطاف، بما يلي: (لا يجوز لإنسان أن يختطف طائرة أو سيارة أو قطاراً أو غواصة أو ما أشبه، فإنها من أعمال العنف والإرهاب، وهو محرّم أشد الحرمة في الشريعة الإسلامية) (24). وبصيغة أخرى يقول (رحمه الله): (يحرّم الإسلام الغدر والاغتيال والإرعاب وكل ما يسمى اليوم بالعنف والإرهاب، فإنه لا عنف في الإسلام، ولا يجوز أي نوع من أعمال العنف والإرهاب الذي يوجب إيذاء الناس وإرعابهم، والغدر بهم وبحياتهم، أو يؤدي إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين) (25). (ففي كل المواطن التي يشرح لنا القرآن الخصام والنزاع بين رسل الله وبين أقوامهم، يبين لنا أن سبب العدوان الذي لحق بالأنبياء لم يكن إلا لأنهم يقولون ربنا الله، ولم يكن لأنهم قاموا بضرب أو قتل أو اغتيال) (26).

ولا يخفى أن من جملة العوامل التي ولَّدت مناخ العنف لدى بعض الجماعات الإسلامية (أن ذلك رد فعل على العنف الذي مارسته قوى الاستعمار والأنظمة المحلية، أو أنه نتيجة التأثر بإسلوب العنف الذي اعتمدته قوى اليسار الماركسي خاصة، واعتمدته منظمات العنف الإرهابي في الغرب (بادرماينهوف، الجيش الأحمر الياباني، الجيش الإيرلندي السري، منظمة الباسك، وغيرها..) فإن الحضارة الغربية أنتجت من أفكار العنف وأساليب العنف ما لم تنتجه أية حضارة أخرى في تاريخ البشر) (27).

وصحيح أن بعض الجماعات الإسلامية لجأت إلى العنف مضطرة (بدعوى الدفاع عن النفس في مواجهة بطش السلطة وجبروت الطاغوت الحاكم، إلا أن قراءة أدبيات كثير منها (مع تحفظنا على كلمة كثير منها) يقطع بأن العنف ليس أسلوباً وظيفياً تلجأ إليه على مقتضى الجبر والاضطرار، بل هو من صميم عقيدتها السياسية، واختيار يرقى إلى مستوى الفريضة) (28). وهذا ما حدا بالمفكر السوري خالص جلبي ليقول بأن الفكر الخارجي هو المنتشر اليوم بين جماعات العمل السياسي الإسلامي المسلح(29). وما كان لهذه الرؤى القاصرة أن تتبلور، إلاَّ نتيجة للفهم المغلوط لمفهوم (الجهاد)، إضافةً للقراءة المبتسرة والخاطئة للنصوص الدينية وحركة الأنبياء والأئمة (ع). وقد أسهم ذلك بدوره في تأجيج المناخ المناسب للعنف.

و (لقد ألصق هذا الأسلوب بالإسلام وبالحركة الإسلامية تهمة (الإرهاب)، وأحيا التهم القديمة عن انتشار الإسلام بالسيف، وعجز المسلمين وتخلفهم في بناء العلاقات وتكوين القناعات بـ(الحوار)، في الوقت الذي ترسخت على مستوى عالمي فكرة التغيير بالحوار وبالتراضي وبالأساليب الديمقراطية.

والإسلام بريء من التهمتين، فهو يحرِّم الإرهاب والغيلة حتى في حال الحرب، وهو يحمل أعظم وأوسع دعوة للحوار عرفها تاريخ البشرية) (30). ولعله من الجيد أن نؤكد هنا على (أننا لم نجد في السيرة النبوية وسيرة أئمة أهل البيت المعصومين (ع) أية ممارسة للاغتيال السياسي مع توفر الدواعي إلى ذلك، ومع توفر أسباب التمكن منه والقدرة عليه، ومع طول الزمان واختلاف الأحوال) (31).

اللاعنف خيار الحركة الإسلامية

في ظل التنظير المستمر لخيار العنف والعمل المسلح، الذي تبنته بعض التنظيمات الإسلامية(32) واتخذت منه شعاراً لها هنا وهناك.. يجد الباحث والمتتبع أن صوت الإمام الشيرازي (رحمه الله) قد ارتفع، قبل عقود من الزمن، مدوياً وهو يدعو لأفكاره التي عمل على بثها بمختلف الوسائل والطرق، من خلال كتبه وأحاديثه وعبر لقاءاته المختلفة والمتكررة؛ فحديث اللاعنف هو الحديث الدائم للسيد الشيرازي؛ حيث يرى (رحمه الله) أن اللاعنف أحد مقومات الدّعوة التي يدعو إليها، وهي حكومة إسلامية واحدة، لاسيما في ظل الظروف التي يمّر بها النظام العالمي الجديد.

ويتساءل الإمام الشيرازي (رحمه الله) في فصلٍ من فصول كتابه (الفقه: طريق النجاة)، قائلاً: ماذا سيعمل الإسلاميون عند الوصول إلى الحكم؟ ويجيب: إن الإسلام إذا وصل إلى الحكم فإن مبادئه تحتم على الحاكمين أن يطبقوا هذه البنود (…) ويعدد بعد ذلك خمسين بنداً بشكلٍ مختصرٍ وسريع، في حدود (19) صفحة من الحجم الكبير، والبند الأخير -الخمسون- منها، هو: اللاعنف في جميع مجالات الحياة(33).

وفي نظرة تتنبأ بالأحداث، يرى الإمام الشيرازي بأن (العنف يولد العنف والعنيف يجد من هو أعنف منه. وعند التأمّل نجد أن ظرفنا الراهن يشبه -إلى حد ما- وضع المسلمين في المرحلة الأولى من صدر الإسلام -في مكة المكرمة- فلو كان المسلمون قد استخدموا العنف، لواجهوا مصيراً محتوماً على أيدي كفار قريش) (34). وفي الحقيقة -كما هي رؤية (جودت سعيد)- (لم تكن قريش أزهد في التشهير بالمسلمين من أبناء هذا العصر لو وجدوا فرصة مناسبة) (35). أقول معلقاً هنا: وقد عايشنا ورأينا جميعاً المجازر التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية بحق الشعب الأفغاني المسلم، وهي بعد لم تمتلك أدلة على من اتهمتهم بتفجيرات مركزي التجارة العالمية ومبنى البنتاجون.. أوليس العنف يولِّد العنف؟.

وهنا وفي نفس السياق يحق لنا أن نتساءل: ما الذي سيحدث لو تبنت الحركة الإسلامية خيار اللاعنف كسلاح من أسلحة المواجهة؟ وللإجابة دعونا نعود قليلاً مع السيرة النبوية لنرى أن الرسول (ص) وباستخدامه لسلاح اللاّعنف (أصبح الكفار -إلى حد ما- مكتوفي الأيدي أمامه، وكانت النتيجة كسب المسلمين المعركة بأقل الخسائر وبأقصر الطرق. وفي مكة لم يستخدم رسول الله (ص) السلاح حتّى للرّد على اعتداءات قريش.. لكن بعد أن تغيّر واقع المسلمين وكونوا دولة ذات سيادة -في المدينة المنورة- غيّروا هذا النهج واستخدموا السلاح (ولماذا كان هذا الاستخدام؟) لرّد الاعتداء فقط) (36). نعم، هكذا كانت الانطلاقة الإسلامية التي بدأها الرسول الأكرم(ص).. وهكذا ينبغي أن تستمر.

(فالإسلام دين السلام؛ ولذا يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: (ادخلوا في السلم كافة). وليست الحرب والمقاطعة وأساليب العنف إلا وسائل اضطرارية شاذة، على خلاف الأصول الأولية الإسلامية، حالها حال الاضطرار لأكل الميتة وما أشبه. وإنما الأصل السلام ولذا تقدر الحرب بقدرها في الإسلام، ومع ذلك يقول تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم). ثم في مكان آخر يقول: (وإن تعفوا أقرب للتقوى)… وهذا النجاح الكبير لنبي الإسلام والأئمة إنما هو لأسباب من جملتها السلام الذي كانوا يتحلون به في كل شؤونهم) (37).

ومن نافلة القول: أن الإمام الشيرازي (رحمه الله) عندما يدعو لانتهاج سياسة اللاعنف فإنه في نفس الوقت يُحذِّر من الوقوع تحت مظلة الخنوع، هذه المظلة التي عملت على تشويه فكرة اللاعنف وجعلتها قريبة من منطق الاستسلام؛ فاللاعنف استراتيجية تتخذ من موقع القوة لا الضعف كما يتصور البعض؛ فالرسول (ص) -كمثال يحتذى به- استخدم أسلوب اللاعنف قبل الهجرة وبعدها.. وجميعنا نردد مقولته الخالدة -عندما فتح مكة- وشعاره المذهل: (اذهبوا فأنتم الطلقاء!!).

ونحن (نعتقد أن الذين يعملون في سبيل الدعوة الإسلامية ستتبين لهم، إن آجلاً أو عاجلاً، جدوى هذه الطريقة، بل سيوقنون تماماً أنها هي الطريقة الوحيدة للجهد الفعال. وما دام المستقبل لمثل هذا الاتجاه في العمل، فما علينا إلاّ أن نعلنه ونقدمه بكل جرأة، غير ناظرين إلى الذين لم يتبين لهم؛ لأن السير في الطريق هو الذي يوصلنا إلى توضيح السبيل) (38).

وليس بخافٍ علينا أن الدعاية للعنف قديمة قدم العنف ذاته، غير أن (الذخائر التي ينتجها العقل -والتي توجه إلى العقل- أسلحة أثبتت أنها لا تقل أهمية عن أي من الأسلحة التي ابتكرها الإنسان حتى الآن بهدف أن يمحو وجود اخوته في الإنسانية. إن التحدي الذي وضعه التاريخ أمام العصر النووي لواضح، إنه على حد تعبير (ألبير كامي) ) (39) فيما كتبه في زمن سابق من القرن الماضي : (على اتساع خمس قارات خلال السنوات المقبلة سوف ينشب صراع لا نهاية له بين العنف وبين الإقناع الودي… ومن هنا سيكون السبيل الوحيد هو رهن كل شيء في مقامرة حاسمة مؤداها أن الكلمات أقوى من الطلقات) (40).

فاللاعنف إذاً (ليس وليد الضعف في الذات، أو القوة الضخمة لدى الآخر، وإنما هو جزء من بنية المنظومة العقدية والفكرية الإسلامية، التي ترى في اللاعنف الطريق السليم في التعامل مع المغاير الثقافي أو السياسي) (41).

ثمار اللاعنف

تحدث الإمام الشيرازي (قدس سره) عن ثمرتين من ثمار اللاعنف، الأولى منهما: هي حصر العنف في دائرة ضيقة من الناحية الكميّة والكيفيّة. والثانية: هي التفاف الناس حول من يتأنى في موقفه ويلتزم بسياسة اللاعنف، حيث ورد في (الحليم) أنّ الناس أنصاره على الجاهل.

وكما أن لسياسة اللاعنف ثمارها، فإن العنف ثمرته العنف -وكما يشير- فالتجمع الذي يؤمن بالعنف يتربى كل أفراده على العنف؛ حيث أنّ من سيئات العنف أنّه لن يقتصر على الأعداء فقط بل يتعداهم إلى الأصدقاء أيضاً.. وفي التجربة العملية لاحظنا هذه الظاهرة على الحركات الإسلامية وغير الإسلامية. وتكون حصيلة كلّ ذلك انهيار الحركة من الداخل وهجوم الأعداء من الخارج(42).

ثقافة اللاعنف

حاول الإمام الشيرازي (رحمه الله) في كرَّاسه المتميز (إلى الكتّاب الإسلاميين)(43)؛ لفت أنظار الكتّاب (إلى بعض الموضوعات الهامة التي يجب الاهتمام بها والكتابة عنها وتركيز الوعي حولها، من خلال الكتب والكراسات والجرائد والمجلات والمنشورات واستخدام الوسائل الحديثة، في نشر الوعي) (44). وركَّز على أهمية الكتابة في موضوع اللاعنف، ضمن ما طرح من نقاط؛ باعتبار أن (الثقافة هي التي ترسم للأجيال مسيرتها، وهي التي تحدد طريقة تعامل الأمة مع الأحداث والوقائع، وهي التي تعين مستقبل الأمة) (45). و(لا غرو أنّ الأمة الساذجة تقع فريسة المشاكل، وقد قال الإمام علي (ع): (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)، والوعي يأتي عن طريق كثرة العلم من السمع والبصر والفكر والمدارسة والذكر) (46).

وكما يبدو أننا أصبحنا في وادٍ، وثقافة التسامح واللاعنف في وادٍ آخر؛ نتيجةً لأمور عديدة، منها: غياب القدوات، وعدم استخدامنا لمبدأ التسامح كطريقة في التربية والتوجيه.

فأين هي القدوات التي تمثل منهج التسامح واللاعنف في مجتمعاتنا حالياً.. أين؟

فالمدير الذي يترأس مجموعة من الموظفين، هل يتعامل معهم بمبدأ التسامح في حالة حدوث خطأ من بعضهم، أم ماذا؟، والمدرس الذي يفترض أن يكون قدوة لطلابه، هل هو يتعامل معهم وفق هذا المبدأ عندما يخطئون في حقه، أم يلجأ للعصا؟، وعلماء الدين الذين يفترض فيهم أن يكونوا قدوات للناس من حولهم، هل يتسامحون ويعذر كل منهم الآخر في حالة الاختلاف، أم يلجأ كل واحد منهم لسلاح التشهير والإسقاط؟

فلأننا نفتقد للقدوات التي تمتلك هذه الروح في مجتمعاتنا أصبحنا غير متسامحين، ومن المسلمات: أنك لا تجني من الشوك العنب!.

فكيف نطلب من الطالب أن يكون متسامحاً وهو يرى بأم عينه أباه متعصباً؟ كيف نريد منه أن يكون متسامحاً وهو يرى مدرسيه وقد أصبحوا أعداءً؟.

فلكي نعيش هذه المفردة الجملية في حياتنا، نحتاج إلى ممارستها عملياً طوال الأوقات، في البيت، في المدرسة، في المتجر، في المصنع، في.. إلخ، وليجعل كل شخصٍ منا من نفسه قدوة في التسامح واللاعنف.. مع زوجته، مع أولاده، مع أصدقائه، مع معارفه، مع جيرانه، مع طلابه، مع مخدوميه، مع محاوريه… الخ.

وبإمكان الدولة أن تلعب -إن هي أرادت- الدور الأكبر في نشر ثقافة السلم واللاعنف؛ فهي القادرة على التبشير بهذه الثقافة بشكلٍ أوسع في صفوف الجماهير؛ وذلك نظراً لما تمتلكه من قدرات وإمكانات هائلة، لا يمتلك المجتمع الأهلي منها إلا النزر اليسير، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إضافة إلى أن معظم المؤسسات الرسمية هي بيد الدولة لا بيد الشعب؛ فمن الأدوار التي يمكن للدولة أن تنجزها بجدارة، هي قيامها ببث هذه الأفكار والرؤى عبر المناهج الدراسية، وكذا بتقديمها للبرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تصب في هذا المضمار -بما أن أغلب إعلامنا رسمي- كقيامها بعمل الندوات والمحاضرات التي تتحدث عن الآثار المترتبة على اجتراح سبل العنف، كذلك دعمها لأطروحات العلماء والمفكرين الذين يتبنون خيار السلم واللاعنف.

فما يضير إعلامنا لو قام باستضافة العلماء المتنورين الداعين لهذه السبل؟ ما الضير لو عرض لنا من خلال شاشة التلفاز برنامجاً يتحدث عن التسامح واللاعنف كخيار رشيد، وصبَّ التركيز من خلاله على ضرورة حل مشاكلنا وقضايانا التي هي محل الخلاف عادة، بمنطق الحوار والعقل.. لا بمنطق العصا والسلاح؟! أليس في ذلك الصلاح والخير لنا؟! فنحن -كدولة ومجتمع أهلي- نستطيع أن نقدم من خلال هذا الطرح رؤية واضحة لأبناء وشعوب بلداننا -التي أتخمت عنفاً- وهي ضرورة التمسك بلغة الحوار والعقل؛ وذلك عبر إسهابنا في الحديث عن واقع المجتمعات التي احتكمت للغة السلاح والعنف. وسيخلق برنامج كهذا أيضاً فضاءات من الأسئلة حول أسباب تلك الصراعات والفتن، وسيؤجج في المشاهد، تبعاً لذلك، الرغبة في التفكير حول ضرورة إبعاد مجتمعه وبلده عن تلك (المهازل).

ولا يخفى أن الدولة -في وطننا العربي والإسلامي- في الكثير من الأحيان هي التي تبدأ بغرس بذور العنف؛ لذا نراها أول من يتغذى من هذه الثمار… ففي ظل استبدادها بالسلطة، واتباعها لسياسة الإقصاء، وانشغالها بإلغاء الآخر، فإنها تهيأ الأجواء لتراكم السحب السوداء المليئة بما من شأنه أن يهلك الحرث والنسل. وبطبيعة الحال، فإن لم تصغِ الحكومات لمطالب شعوبها المقهورة، فإن ولوجها في طريق السلم سيصبح أمراً متعسراً بعيد النوال.

إذ (إن التوتر الوجودي العام، وما يصاحبه من تفجر للعنف الدموي وغير الدموي، ليس وليد بدائية نفسية كما اعتقد بعض علماء الغرب الذين قالوا بعاطفية وانفعالية إنسان العالم المتخلف، إنه وليد وضعية مأزقية تشكّل إحدى خصائص بنية القهر التي يتميّز بها هذا العالم. الإنسان في المجتمع المتخلف عدواني، متوتر، يفتقر إلى العقلانية ويعجز عن الحوار المنطقي؛ لأنه يعيش في حالة مزمنة من الإحباط الاعتباطي، ومن الإهمال) (47).

(إنه وبسبب إحساس الجماهير الحضرية بالعجز السياسي والوعود الكبيرة التي يعلنها القادة السياسيون، فثمة هوة تنشأ بين الطرفين يدعمها الشك المتبادل والثغرات الموجودة في نظام الاتصال؛ ومن شأن هذا الوقف أن يساهم في إحداث تفكك سياسي وظهور حركات اجتماعية محملة بالعنف) (48).

نخلص مما سبق لنقول بأنه من الأدوار التي ينبغي للحكومات أن تقوم بها لنشر ثقافة اللاعنف، هو سماحها للأصوات المتعددة أن تتحدث بكل حرية دون خوف أو وجلٍ من أحد؛ ففي الكثير من بلداننا العربية والإسلامية توجد حالة من التعددية المذهبية والفكرية والسياسية، فلا ينبغي أن يفسح المجال في بلد من البلدان لاتجاه دون آخر، أو لجماعة دون أخرى، فإن ذلك من أسباب الجمود والتخلف، وهما حضنان دافئان لتفقيس (صيصان) العنف! فمن الخطأ أن نعمم في مجتمع من المجتمعات ثقافة الاتجاه الواحد ونكمم أفواه الآخرين، فهذا الأسلوب قد يؤدي إلى زيادة الطحالب في المجرى، وبالتالي تلوث الأفكار التي نتجرعها، والتي ربما تتسبب في هلاكنا.

وبما أن الأصل في الإسلام (الحرية) -حسب تعبير الإمام الشيرازي(رحمه الله)- فإنه تبعاً لذلك يحق (لكل إنسان أن ينضم إلى الآخرين، لبناء الحياة وتقدمها، ولا يحدّ هذه الحرية إلا ما يوجب الضرر على الآخرين أو على النفس (بما لا يجوز تحمله شرعاً) فليس للدولة -في نظر الإسلام- التدخل في شؤون الجماعات أو وضع الدساتير والقوانين لها، وتقييدها بقيود -إطلاقاً-) (49).

هكذا هي رؤية الإسلام للحرية، كما سطّرها الإمام الشيرازي، ولكن لو نظرنا لواقع (دول العالم الثالث ومنها الدولة الإسلامية، فإنّ الدولة هي كل شيء كما كانت على العهود الوسطى، فهي كما قال أمير المؤمنين لمالك: (سبعاً ضارياً)؛ فهي تلتهم كل شيء، تلتهم أموال الناس ودماءهم وأتعابهم وجهودهم، ولا تريد من الناس أية مشاركة سوى المشاركة في التصفيق) (50). لذلك ليس مستغرباً والحالة هذه أن نجد أعمال العنف تمارس في أكثر من بلدٍ ومكان؛ فلا خلاص للدولة -والشعب- إن هي أخذتها العزة بالإثم وانساقت في طغيانها بعدم إصغائها لمن يناشدها أن تتقِ الله؛ فإن لكل فعل رد فعل كما تعلمنا ونحن جلوس في غرفة الفصل نستمع للمدرس في مرحلتنا الابتدائية ضمن مقرر مادة العلوم. ورحم الله تلك الأيام التي كان الكفار يفضلون فيها ولاية المسلمين فقد (كان المسلمون يتورعون عن أذى الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين إلى أبعد حد، ومن هنا أحبّهم الآخرون وإن كانوا غير مسلمين) (51).

وخلاصة القول: ينبغي أن نؤمن بثقافة التسامح واللاعنف، كقيمة داخل ذواتنا، وأن نسعى جميعاً لتطبيقها على أرض الواقع، لا أن نحملها كشعار أجوف فوق صدورنا، (وعلى أي حالٍ فاللازم على الحركة الإسلامية… أن تأخذ الشعار والدثار: السلام، ولا يتسنى للحركة ذلك إلا بالتلقين الدائم) (52). كما ينبغي أن تتخذ الحركة الإسلامية من السلم واللاعنف (شعاراً واقعياً لا دعائياً فقط، في القول والعمل والفكر والتأليف والخطابة والاجتماع) (53)، (واللاعنف أوله صعب مستصعب لكنه في النهاية سهل مستسهل، لأنّه ينقلب إلى عادة في السلوك وحالة في العلاقات) (54). باعتبار (أن الأسلوب اللاعنفي السلامي، يحتاج إلى تدريب، هو أشق على النفس بدرجات، من الأسلوب العنفي، فالنفس البشرية، تميل بسهولة إلى ضرب من ضربها، إلا أن الصعب والصعب جدّاً أن تتحمل الضربة بدون الرَّد عليها، بل والثبات أمام الضارب، بل ودون الحقد على صاحبها!! ) (55). وبهذه الكيفية ربما نتفيأ من ظلال هذه الشجرة الباسقة الوارفة الظلال. نعم، قد نكون قاب قوسين أو أدنى من أولئك الذين تحدث عنهم القرآن الكريم، بقوله: (والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين) (آل عمران:134).

كلمة أخيرة

في دراسة منشورة لي بعنوان: (الكتاب في المشروع النهضوي للإمام الشيرازي)، ذكرت جملة من التوصيات ترتبط بالتراث الفكري للإمام الراحل، منها:

1- عقد المؤتمرات والندوات المتخصصة لدراسة أفكاره ونظرياته -التي سبق بطرحها الكثير من المرجعيات الإسلامية- وتحليلها بطريقة موضوعية، بعيداً عن المنهجية الاحتفائية والمدائحية.

2- المسارعة إلى طباعة كتبه المخطوطة، لا سيما العناوين المتميزة منها، ككتاب: (الفقه: السلام)(56). وأتصور أن (تجمع المسلم الحر)، يمثل خير ناشرٍ لهذا الكتاب باعتبار تبنيه لطرح الدراسات المتخصصة في موضوع اللاعنف، وما يتعلق به من المفاهيم(57).

وقد يكون من المناسب أن أشير إلى هذه التوصية التي سطرها الكاتب خالد القشطيني في عموده المعروف في جريدة الشرق الأوسط، حيث يقول: (في هذه الأيام الحالكة التي أصبح فيها الإسلام والمسلمون موضع سخرية وتجريم الآخرين، ما أجدرنا بأن نترجم وننشر ما كتبه الشيرازي ودعا إليه لنظهر هذا الجانب المشرق من دين محمد (ص)، لا بل وأهم من ذلك، أن نعلمها لأولادنا بدلاً من كل هذا التركيز على الحرب والسيف والمعارك التي نشأنا عليها) (58).

وقبل ختام هذه الدراسة الموجزة أقول – مردداً ما قاله المفكر اللبناني السيد محمد حسن الأمين في تأبين الإمام الراحل-: (إذا أردنا أن نصف هذا الرجل الاستثنائي فإننا لا نتمكن أن نفعل، إذا نحن لم نستعرض شريطاً بالغ الروعة من خلقه العظيم، من جهاده ورفعة خلقه.. كان إماماً حقيقياً في تسارع الرؤية وفي الصبر والمثابرة والترفع.. لم يستثمر شيئاً من مواهبه الواسعة لشخصه.. كان يتألّق ويذوي في آن.. وكان ذلك مصدر قوته وشموخه.. بكل الحب والنبل استطاع أن يخترق القلوب والعقول بما فيها قلوب أولئك الرجال الذين أعشت أبصارهم الأغراض والأهواء، فإذا بهم عندما يعودون إلى ضمائرهم تتفتح في نفوسهم آيات الإعجاب والإكبار. آية هذا الرجل أنه اجترح، بفرادة عظيمة، تمثّل النهج العظيم لأئمة أهل البيت وحاول موفقاً ومسدداً، أن يستحضر عبر سلوكه قبساً من أنوارهم الغامرة) (59).

ولعلّ من نقاط القوة في فكر الإمام الشيرازي(قدس سره)، أنه استطاع تربية جيلٍ من العلماء والمثقفين الذين حملوا على عاتقهم التبشير بنظرياته المختلفة، ومنها نظريته في السلم واللاعنف. وقد سجل هذا المعنى الشاعر السعودي المتميز بدر الشبيب -في قصيدة له في الإمام الراحل- إذ يقول:

وأطلقت من خلف الشبابيك آية حمائم باللاعنف تشدو.. تبشر

فهناك عددٌ من الصحف والمجلات التي أسست بفضل تشجيعه ورعايته، وهي تتبنى طرح هذه الأفكار المتنورة، ولعل في صحيفة (السلام) ومجلة (النبأ) خير مصداق لادعائنا هذا؛ فالأولى يكفيها العنوان للإفصاح عن محتواها، أما الثانية فهي تضع شعار السلم واللاعنف ضمن محاورها الرئيسة، وقد احتوت في بعض أعدادها على معالجات جيدة حول هذه الرؤية، إضافة لتجلي هذا الطرح ضمن معظم موادها؛ لذا فنحن نشيد بفكر الإمام الشيرازي حيث استطاع أن يلمس نتاج فكره الحضاري في شكل مؤسسات قائمة هنا وهناك.. ففكره أصبح مشروعاً قائماً على الأرض، خلافاً للكثير من العلماء والمفكرين الذين رحلوا عن هذه الحياة الدنيا ولم يتمكنوا من قطف ثمار أفكارهم، بل لم يسعفهم الزمن لنشرها في قطاع واسع، وربما أصبحت حبيسة الأرفف، ولم ترَ النور بعد! (والمفارقات واضحة وكبيرة بين فكر تحول إلى مؤسسة، وفكر لم يتحول إلى مؤسسة، في عصر يتشكل نظامه الإداري والقيادي والتوجيهي من نظام المؤسسات. باعتبار أن هذا النمط تتوفر فيه عناصر القوة والصفة الحضارية) (60).

الهوامش:

(*) ينشر بالاتفاق مع مجلة الكلمة.

(**) كاتب سعودي/من هيئة تحرير مجلة الكلمة

(1) محمد محفوظ: ضد العنف والتعصب، مجلة النبأ (بيروت)، العدد(63) شعبان، 1422هـ، ص15.

(2) نفس المصدر: ص15.

(3) إضافةً للإمام الشيرازي (قدس سره): يوجد لدينا في العالم العربي والإسلامي فقهاء وعلماء ومفكرون، -من مدارس مختلفة- يتبنون نظرية السلم واللاعنف، ولديهم كتب ودراسات مطولة حول هذه النظريات، منهم: جودت سعيد، خالص جلبي، محمد مهدي شمس الدين، حسن الصفار، محمد محفوظ.. وآخرون، وأخص بالذكر أمين عام (تجمع المسلم الحر) الشيخ محمد تقي باقر، باعتباره من أبرز العلماء المتأثرين بأفكار الإمام الشيرازي فيما يخص مسألة السلم واللاعنف، وله في ذلك نشاطات مختلفة ومتنوعة منها إصدار تجمعه لصحيفة (السلام) الصادرة في بيروت، وهي دورية تعنى بطرح اللاعنف. وللمزيد بإمكان القارئ زيارة صفحة التجمع، والصحيفة على العنوان التالي: (www.freemuslim.org).

(4) مرتضى معاش: وداعاً أيها العظيم.. الحياة تبدأ الآن، كلمة مجلة النبأ (بيروت)، العدد(65)، -عدد خاص عن الإمام الشيرازي- ذو القعدة، 1422هـ، ص9.

(5) سعد الإمارة: مبدأ اللاعنف في فكر الإمام الشيرازي (قدس سره). مجلة النبأ (بيروت)، العدد (65) -عدد خاص عن الإمام الشيرازي-، 1422هـ، ص 153.

(6) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الفقه – كتاب الدولة الإسلامية، ط1، ج102، (بيروت: دار العلوم، 1410هـ)، ص80.

(7) نفس المصدر: ص 67-68.

(8) السيد محمد الشيرازي (قدس سره): إلى حكم الإسلام، ط1، (بيروت: مؤسسة الوفاء، 1404هـ)، ص 50-51.

(9) عبد الإله بلقزيز: العنف والديمقراطية، ط1، (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 2000م)، ص 25.

(10) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): إلى حكم الإسلام، مصدر سابق، ص 52-53.

(11) نفس المصدر: ص 53-55.

(12) محمد مهدي شمس الدين: فقه العنف المسلح في الإسلام، ط1، (بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1422هـ)، ص 33.

(13) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الفقه- كتاب الدولة الإسلامية، ط1، ج102، (بيروت: دار العلوم، 1410هـ)، ص 87.

(14) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): ولأول مرة في تاريخ العالم، ط1، مج1، (بيروت: مؤسسة الرسول الأعظم (ص)، 1416هـ)، ص 30.

(15) خالص جلبي: سيكولوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي. ط1، (دمشق: دار الفكر، 1406هـ)، ص 15.

(16) الإمام علي بن أبي طالب (ع): نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ط1، (بيروت: المكتبة العصرية، 1422هـ)، ص 95. المقطع المقتبس، هو من خطبته لمّا عزموا على بيعة عثمان.

(17) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): السبيل إلى إنهاض المسلمين، ط3، (بيروت: دار المنهل، 1413هـ)، ص 201.

(18) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية، مصدر سابق، ص39.

(19) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): إلى الكتّاب الإسلاميين، ط2، (د.م: هيئة محمد الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، 1421هـ)، ص 12.

(20) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): إلى حكم الإسلام، ص 55-56.

(21) يقول الإمام علي (ع): (فليتأس متأسٍ بنبيه، وإلاَّ فلا يأمنن الهلكة).

(22) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الفقه- كتاب الدولة الإسلامية، مصدر سابق، ص 84-85.

(23) محمد مهدي شمس الدين: فقه العنف المسلح في الإسلام، مصدر سابق، ص 19.

(24) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): فقه المرور، ط1، (د.م: هيئة محمد الأمين(ص)، 1421هـ)، ص 281.

(25) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الفقه- كتاب النظافة، ط1، (د.م: هيئة محمد الأمين (ص)، 1421هـ)، ص 300.

(26) جودت سعيد: مذهب ابن آدم الأول، أو مشكلة العنف في العمل الإسلامي، ط4، (بيروت: دار الهجرة، 1407هـ)، ص 37.

(27) محمد مهدي شمس الدين: مصدر سابق، ص 22.

(28) عبد الإله بلقزيز: العنف والديمقراطية، مصدر سابق، ص 30-31.

(29) خالص جلبي: سيكولوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي، ط1، (دمشق: دار الفكر، 1419هـ)، ص 33.

(30) محمد مهدي شمس الدين: مصدر سابق، ص 34.

(31) نفس المصدر: ص 62.

(32) هذا الخيار -العنف- الذي أضرّ بها، بل شوّه ومسخ سمعتها وجعلها مقرونة في العديد من المناطق والبلدان بصفة الإرهاب، خاصة بعد تفجيرات 11/أيلول(سبتمبر)/2001م، وما صاحب ذلك من إعلام موجه ومدروس، لضرب التنظيمات والحركات الإسلامية.

(33) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الفقه- طريق النجاة، ط1، (بيروت: دار الصادق، 1419هـ)، انظر الصفحات:103-121.

(34) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية، مصدر سابق، ص 39.

(35) جودت سعيد: مصدر سابق، ص 56.

(36) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية، مصدر سابق، ص 39-40.

(37) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): السبيل إلى إنهاض المسلمين، مصدر سابق، ص 191-192.

(38) جودت سعيد: مصدر سابق، ص 22.

(39) ألبير كامي (1913-1960): كاتب روائي وفيلسوف فرنسي، ولد بالجزائر، نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957م، والعبارة هنا، من خطابه عند تسلمه للجائزة.

(40) فيليب تايلور: قصف العقول. ترجمة: سامي خشبة، ط1، سلسة عالم المعرفة: (256)، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب، 1420هـ)، ص 30.

(41) محمد محفوظ: الأهل والدولة.. بيان من أجل السلم المجتمعي، ط1، سلسلة: آفاق في البناء الحضاري(4)، (بيروت: منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، 1418هـ)، ص 137-138.

(42) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية، مصدر سابق، ص 40.

(43) انظر: حسن آل حمادة: رسالة الإمام الشيرازي إلى الكتَّاب الإسلاميين، مجلة النبأ (بيروت)، ع (58) ربيع الأول، 1422هـ، ص 201-204.

(44) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): إلى الكتاب الإسلاميين، مصدر سابق، ص 12.

(45) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): السبيل إلى إنهاض المسلمين، مصدر سابق، ص 32.

(46)السيد محمد الشيرازي(قدس سره): إلى الكتاب الإسلاميين، مصدر سابق، ص 46.

(47) مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي.. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ط8، (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2001م)، ص 178.

(48) إبراهيم تهامي: التحضر والعنف الحضري في مدن العالم الثالث، مجلة الفكر العربي، (بيروت)، ع(84)، ربيع 1996م، ص 71.

(49) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الفقه- السياسة، ط1، مج1، (بيروت: دار العلوم، 1407هـ)، ص 271.

(50) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): إلى الكتّاب الإسلاميين، مصدر سابق، ص 54-55.

(51) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، ط3، (بيروت: مؤسسة الفكر الإسلامي، 1413هـ)، ص 444.

(52) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): السبيل إلى إنهاض المسلمين، مصدر سابق، ص 235.

(53) نفس المصدر: ص 222.

(54) السيد محمد الشيرازي(قدس سره): الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية، مصدر سابق، ص 41.

(55) خالص جلبي: مصدر سابق، ص 16.

(56) انظر: حسن آل حمادة. الكتاب في المشروع النهضوي للإمام الشيرازي، مجلة النبأ، (بيروت) العدد (65)، 1422هـ، ص 188. وللإلمام بقائمة ببليوغرافية بمؤلفاته المطبوعة والمخطوطة التي ناهزت (1260) كتاباً، انظر الفصل الرابع من كتابنا: الكتاب في فكر الإمام الشيرازي، ط2، (بيروت: هيئة محمد الأمين (ص)، 1422هـ).

(57) انظر: تقديم الشيخ محمد تقي باقر لكتاب: العنف الأسري الدوافع والحلول. لمؤلفه حيدر البصري، ط1، (بيروت: دار المحجة البيضاء/دار الرسول الأكرم (ص)، 1421هـ)، ص 7.

(58) خالد القشطيني: وداعاً لابن السماحة وشيخ السلام: الشيرازي، جريدة الشرق الأوسط (لندن)، العدد (8461)، 13/11/1422هـ. جدير بالذكر أن للقشطيني كتاب بعنوان: نحو اللاعنف، ويؤسفني أنني لم أطلع عليه لهذه اللحظة.

(59) السيد محمد حسن الأمين: قالوا في الإمام الشيرازي، مجلة النبأ، (بيروت) ع (65)، مصدر سابق، ص92.

(60) زكي الميلاد: مالك بن نبي ومشكلات الحضارة: دراسة تحليلية نقدية، ط1، (بيروت: دار الصفوة، 1413هـ)، ص142-143.